الشيخ أحمد فريد المزيدي

175

الإمام الجنيد سيد الطائفتين

فانحدرت إلى بغداد ، فلما جئت الحجرة التي هو فيها طرقت الباب ، فقال لي : ادخل يا أبا عمرو ، تذنب بالرحبة ، ونستغفر لك ببغداد « 1 » . وكان سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد رحمه اللّه يقول : ينبغي للعبد أن يختم أعماله كل وقت بالاستغفار ؛ لقوله تعالى : وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [ الأنفال : 33 ] انتهى « 2 » . قال الجنيد : الطاعة عاجل بشراه على ما سبق لهم من اللّه تعالى ، وكذلك المعصية « 3 » . قال الجنيد : لا تيأس من نفسك ، وأنت تشفق من ذنبك ، وتندم عليه بعد فعلك « 4 » . قال جعفر بن محمد بن نصير في كتابه : سمعت الجنيد بن محمد يقول : كان أبو شعيب البراثي أول من سكن براثى في كوخ يتعبّد فيه ، فمرّت بكوخه جارية من بنات الكبار كانت ربّيت في قصور الملوك ، فنظرت إلى أبي شعيب ، فاستحسنت حاله وما كان عليه ، فصارت كالأسير له ، فعزمت على التجرد من الدنيا والاتصال بأبي شعيب ، فجاءت إليه ، وقالت : أريد أن أكون لك خادمة . فقال لها : إن أردت ذلك ، فغّيري من هيئتك ، وتجرّدي عمّا أنت فيه حتى تصلحي لما أردت ، فتجرّدت عن كل ما تملكه ، ولبست ثياب النساك ، وحضرته ، فتزوّجها ، فلما دخلت الكوخ رأت قطعة خصاف في مجلس أبي شعيب تقيه الندى . فقالت : ما أنا بمقيمة فيها حتى تخرج ما تحتك ؛ لأني سمعتك تقول : إن الأرض تقول : يا ابن آدم ، تجعل اليوم بيني وبينك حجابا ، وأنت غدا في بطني ، فما كنت لأجعل بيني وبينها حجابا ، فأخذ أبو شعيب الخصاف ، فرمى بها ، فمكثت معه سنين كثيرة ، تتعبد أحسن عبادة ، وتوفيا على ذلك متعاونين « 5 » .

--> ( 1 ) انظر : تاريخ بغداد للخطيب ( 7 / 247 ) ، وطبقات الشافعية للسبكي ( 2 / 261 ) ، وطبقات الحنابلة ( 1 / 127 ) ، والتوابين لابن قدامة ( ص 265 ) . ( 2 ) انظر : العرائس القدسية ( ص 93 ) . ( 3 ) انظر : التعرف للكلاباذي ( ص 77 ) . ( 4 ) انظر : الحلية ( 10 / 267 ) . ( 5 ) انظر : التوابين لابن قدامة ( ص 265 ) .